محمد الغزالي
102
فقه السيرة ( الغزالي )
الرعيل الأوّل أخذت الدعاية للإسلام تنتشر في مكة ، وتعمل عملها في أصحاب الأفئدة الكبيرة ، فسرعان ما يطرحون جاهليتهم الأولى ، ويخفّون إلى اعتناق الدين الجديد ، وكانت آيات القران تنزل على القلوب التي استودعت بذور الإيمان ، كما ينزل الوابل على التربة الخصبة : فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ الحج : 5 ] . كان أصحاب العقائد يتجمّعون - في تؤدة - حول عقائدهم ، ويلتفّون - في حبّ وإعجاب - حول إمامهم ، ويشرحون - في حذر - أصول فكرتهم . والإيمان قوة ساحرة ، إذا استمكنت من شعاب القلب ، وتغلغلت في أعماقه ، تكاد تجعل المستحيل ممكنا . ولقد رأينا شبابا وشيوخا يلتقون عند فكرة من الفكر ، ويحلّونها من أنفسهم محلّ العقائد الراسخة ، ومع أنها فكرة مادية بحتة ، إلا أنّهم يجعلون من حياتهم وقود حركتها ، ويتحمّلون أقبح الأذى في سبيل نصرتها . وفي السجون - الان - رجال تخرّجوا من جامعات الغرب ، يقضون شطرا من أعمارهم مع القتلة وتجّار المخدّرات . . . ! ويرون ذلك بعض الجهد الواجب لإنجاح مبادئهم ، ودفعها إلى الأمام ، فكيف إذا كان الإيمان الذي ظهر في صدر الإسلام إيمانا باللّه ربّ السماوات والأرض ، وإيمانا بالدار الآخرة حيث ينفلت الإنسان من هذه الدنيا لتستقبله في جوار اللّه الحدائق الغنّاء ، والقصور الزهر ، من تحتها الأنهار الجارية ، والنعيم المقيم ؟ . . . إنّ الرعيل الأوّل أخذ يتكوّن ويتزايد على الأيام . ومن الطبيعي أن يعرض الرسول صلى اللّه عليه وسلم - أولا - الإسلام على ألصق الناس به من ال بيته وأصدقائه ، وهؤلاء لم تخالجهم ريبة قطّ في عظمة محمد عليه الصلاة والسلام ، وجلال نفسه ، وصدق خبره ، فلا جرم أنهم السابقون إلى مؤازرته واتّباعه .